الشيخ محمد الصادقي

14

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم

ثم المستحيل على العباد هو معرفة اللَّه حق معرفته وعبادته حق عبادته ، وأما تقواه حق تقاته فكما قال الرسول صلى الله عليه وآله « أن يُطاع فلا يُعصى وأن يُذكر فلا يُنسى » وهذا يطِم في خِضمِّه كل مراتب التقوى الحقة حسب مختلف القابليات والفاعليات ، شاملة لحق العدالة والعصمة ، ثم العاصي المقصر خارج عن نطاق الآية ، والمعصومون هم في قمتها العالية . ولا يعني « يذكر فلا ينسى » أن المؤمن مأخوذ بذكره تعالى أبداً فإنه غير مستطاع إلا للمعصومين ، حيث الغفلات المُتاهة تخلّله ، والشهوات المباحة تتوسطه ، والنوم والإغماء والتقية والمرض تحول دونه . فإنما أمروا أن يتقوا اللَّه حق تقاته كما يستطيعون ، وليهابوا بلوغ أدنى حدود المعصية ، ويقفوا عن أولى مراتب السيئة ، فلا يقتربوها كيلا يقترفوها ، فالمعاصى حمى اللَّه ومن حام حوم الحمى أوشك أن يوقع فيها ، فاجعل بينك وبين الحرام حاجزاً من الحلال ، فإنك متى استوفيت جميع الحلال تاقت نفسك إلى فعل الحرام ، وكلما كثرت الزواجر كانت على المعاصي أردع ، وإلى فعل الطاعات أحوش وأجذب . ذلك - فمن جانَب جميع ما نهاه اللَّه عنه دون مقارفة ولا مقاربد ، وأتى بجميع ما أمره اللَّه به ، وكل ذلك قدر المستطاع دون إهمال ولا تقصير ، فقد اتقى اللَّه حق تقاته . وترى بعدُ كيف « وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ » والموت مسيَّر لا مخير ؟ وكما « إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ » « 1 » . هنا النهي موجه إلى الموت دون إسلام ، ناظراً إلى عاقبة الأمر لمن اتقى اللَّه حق تقاته ، فلا تكفي هذه التقوى الحقة لفترة من حياة التكليف ، بل والاستمرار فيها تكليف فوق تكليف ، ومهما كان الموت مسيراً ، فالموت حالة الإسلام مخيّر ، أن يتسمر التقي في تقواه ، أو تكون كل لاحقة منه خيراً من أولاه ، تقدماً على طول خط الحياة في تقوى اللَّه ، دون تنازل عن حدها المستطاعة ولا وقفة عليه . وفي صيغة أخرى إن الإنسان مكتوم عنه أجله أياً كان لما في كتمانه من مصلحة

--> ( 1 ) . 2 : 132